|
|||
![]()
|
الكلمة الرابعة والعشرون الغصن الثالث نظراً لشئ من الغموض الذي يكتنف فهمَ قسمٍ من الاحاديث الشريفة التي تبحث في (علامات الساعة واحداثها) وفي (فضائل الاعمال وثوابها) فقد ضعفها عددٌ من أهل العلم المعتدّين بعقولهم، ووضعوا بعضها في عداد (الموضوعات) وتطرّف آخرون من ضعاف الايمان المغرورين بعقولهم فذهبوا الى انكارها. ونحن هنا لا نريد أن نناقشهم تفصيلاً، بل ننبه الى (اثني عشر) اصلاً من الاصول والقواعد العامة التي يمكن الاستهداء بها في فهم هذه الاحاديث الشريفة موضوعة البحث. C الاصل الاول وهو المسألة التي بيناها في الجواب عن السؤال الوارد في نهاية (الكلمة العشرين) ومجملها: ان الدين امتحان واختبار، يميز الارواح العالية من الارواح السافلة، لذا يبحث في الحوادث التي سيشهدها الناس في المستقبل بصيغة ليست مجهولة ومبهمة الى حد استعصاء فهمها، وليست واضحة وضوح البداهة التي لا مناص من تصديقها. بل يعرضها عرضاً منفتحاًً على العقول، لا يعجزها، ولا يسلب منها القدرة على الاختيار. فلو ظهرت علامة من علامات الساعة بوضوح كوضوح البديهيات، واضطر الناس الى التصديق، لتساوى عندئذ استعداد فطري كالفحم في خساسته مع استعداد فطري آخر كالألماس في نفاسته، ولضاع سر التكليف وضاعت نتيجة الامتحان سدى. فلأجل هذا ظهرت اختلافات كثيرة في مسائل عديدة، كمسائل المهدي(1) والسفياني(2) وصدرت احكام متضاربة لكثرة الاختلاف في الروايات. C الاصل الثاني: للمسائل الاسلامية طبقات ومراتب، فبينما تحتاج احداها الى برهان قطعي - كما في مسائل العقائد - تكتفي الاخرى بغلبة الظن، واخرى الى مجرد التسليم والقبول وعدم الرفض. لهذا لا يُطلب برهانٌ قطعي واذعان يقيني في كل مسألة من مسائل الفروع أو الاحداث الزمانية التي هي ليست من اسس الايمان، بل يكتفى بالتسليم وعدم الرفض. C الاصل الثالث لقد أسلم كثير من علماء بني اسرائيل والنصارى في عهد الصحابة الكرام y ، وحملوا معهم الى الاسلام معلوماتهم السابقة، فأُخذ وهماً غيرُ قليلٍ من تلك المعلومات السابقة المخالفة لواقع الحال كأنها من العلوم الاسلامية. C الاصل الرابع لقد اُدرج شئ من اقوال الرواة، أو المعاني التي استنبطوها ضمن متن الحديث، فاُخذت على علاّتها. ولما كان الانسان لا يسلم من خطأ، ظهر شئ من تلك الاقوال والاستنباطات مخالفاً للواقع، مما سبب ضعفَ الحديث. C الاصل الخامس اُعتبر بعض المعاني الملهَمة للاولياء واهل الكشف من المحدّثين على أنها احاديث، بناء على أن في الأمة محدَّثين (1)، اي: ملهمين. ومن المعلوم ان إلهام الاولياء قد يكون خاطئاً لبعض العوارض، فيمكن أن يظهر ما يخالف الحقيقة في امثال هذا النوع من الروايات. C الاصل السادس يشتهر بعض الحكايات بين الناس، فتجري تلك الحكاية مجرى الامثال، والامثال لا يُنظر الى معناها الحقيقي، وانما يُنظر الى الهدف الذي يساق اليه المَثَل، لهذا كان في بعض الاحاديث ذكر بعض ما تعارف عليه الناس من قصص وحكايات كناية وتمثيلاً على سبيل التوجيه والارشاد. فان كان هناك نقص وقصور في المعنى الحقيقي في مثل هذه المسائل فهو يعود الى اعراف الناس وعاداتهم ويرجع الى ما تسامعوه وتعارفوا عليه من حكايات. C الاصل السابع هناك كثير من التشبيهات والتمثيلات البلاغية تؤخذ كحقائق مادية، إما بمرور الزمن او بانتقالها من يد العلم الى يد الجهل، فيقع الناس في الخطأ من حسبان تلك التشبيهات حقائقَ مادية. فمثلاً: ان المَلَكين المسميين بالثور والحوت، والمتمثلين على صورتيهما في عالم المثال، وهما من ملائكة الله المشرفة على الحيوانات البرية والبحرية، قد تحولا الى ثور ضخم وحوت مجسم في ظن الناس وتصورهم الخاطىء، مما ادى الى الاعتراض على الحديث. ومثلاًَ: سُمع صوت في مجلس الرسول e ، فقال: هذا صوتُ حجرٍ يهوي في جهنم منذ سبعين خريفاً فالآن حين انتهى الى قعرها(1) فالذي يسمع بهذا الحديث ولم تتبين له الحقيقة ينكره، فيزيغ، ولكن اذا علم ما هو ثابت قطعاً، انه بعد فترة وجيزة جاء أحدهم فاخبر النبي e ان المنافق الفلاني المشهور قد مات قبل هنيهة، عندئذ يتيقن ان الرسول e قد صور ببلاغته النبوية الفائقة ذلك المنافق الذي دخل السبعين من عمره كحجرٍ يتدحرج الى قعر جهنم، حيث ان حياته كلها سقوط الى الكفر وتردٍّ الى اسفل سافلين، وقد أسمع الله سبحانه ذلك الصوت في لحظة موت ذلك المنافق وجعله علامة عليه. C الاصل الثامن يخفي الحكيم العليم في دار الامتحان وميدان الابتلاء هذا، اموراً مهمة جداً بين ثنايا كثرة من الامور. وترتبط بهذا الاخفاء حكم كثيرة ومصالح شتى. فمثلاً: قد أخفى سبحانه وتعالى (ليلة القدر) في شهر رمضان، و (ساعة الاجابة) في يوم الجمعة، و(أولياءه الصالحين) بين مجاميع البشر، و(الأجل) في العمر، و(قيام الساعة) في عمر الدنيا.. وهكذا. فلو كان أجَلُ الانسان معيناً ومعلوماً وقته، لقضى هذا الانسان المسكين نصف عمره في غفلة تامة، ونصفه الآخر مرعوباً مدهوشاً كمن يُساق خطوة خطوة نحو حبل المشنقة. بينما تقتضي المحافظة على التوزان المطلوب بين الدنيا والآخرة ومصلحة بقاء الانسان معلقاً قلبُه بين الرجاء والخوف، أن تكون في كل دقيقة تمر بالانسان امكان حدوث الموت او استمرار الحياة.. وعلى هذا يرجح عشرون سنة من عمر مجهول الاجل على ألف سنة من عمر معلوم الاجل. وهكذا فقيام الساعة، هو أجَلُ هذه الدنيا، التي هي كانسان كبير، فلو كان وقته معيناً ومعلناً لمضت القرون الاولى والوسطى سادرة في نوم الغفلة، بينما تظل القرون الاخيرة في رعب ودهشة؛ ذلك لان الانسان وطيد العلاقة بحياة مسكنه الاكبر وبلده الاعظم - الدنيا - بحكم حياته الاجتماعية والانسانية مثلما يرتبط بمسكنه وبلده بحكم حياته اليومية والشخصية. نفهم من هذا أن القرب المذكور في الآية الكريمة] اقتربت الساعة[ لا يناقضه مرور ألف سنة ونيف، اذ الساعة اجل الدنيا. وما نسبة ألف سنة أو ألفين من السنين الى عمر الدنيا الاّ كنسبة يومٍ أو يومين أو دقيقة ودقيقتين الى سني العمر. وكذلك ينبغي ألا يغيب عن بالنا أن يوم القيامة ليس أجل الانسانية فحسب حتى يقاس قربه وبعده بمقياس عمرها، بل هو أجل الكائنات والسماوات والارض ذات الاعمار المهولة التي تندّ عن القياس والحساب. ولأجل هذا فقد أخفى الحكيم العليم موعدَ قيام الساعة في علمه بين المغيّبات الخمسة، وكان من حكمة الاخفاء هذا أن يخشى الناسُ في جميع العصور قيام الساعة، حتى الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا أشدّ خشية من قيامها في زمنهم من غيرهم، مع أنهم كانوا يعيشون في خير القرون، وهو قرن السعادة وانجلاء الحقائق، بل قال بعضهم ان أشراط الساعة وعلاماتها قد تحققت. فالذين يجهلون حكمة الاخفاء وحقيقته في الوقت الحاضر يقولون ظلماً: كيف ظن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم قرب وقوع حقيقة مهمة وخطيرة ستأتي بعد ألف وأربعمائة سنة، ظنوها قريبة في عصرهم، علماً بأنهم كانوا أقدر المسلمين وأفضلهم في ادراك معاني الآخرة، وأحدّ المؤمنين بصيرة وأرهفهم حساً بارهاصات ما سيأتي به الزمن؟ لكأن فكرهم قد حاد عن الحقيقة الف سنة! الجواب: لأن الصحابة الكرام - رضى الله عنهم أجمعين - كانوا اكثر الناس تفكراً بالآخرة، وأرسخهم يقيناً بفناء الدنيا، وأوسعهم فقهاً بحكمة اخفاء الله سبحانه لوقت القيامة، وذلك بفضل نور الصحبة النبوية وفيضها عليهم، لذا كانوا منتظرين أجَل الدنيا، متهيئين لموتها كمن ينتظر أجله الشخصى، فسعوا لآخرتهم سعياً حثيثاً. ثم ان تكرار الرسول e (... فانتظروا الساعة) نابع من هذه الحكمة حكمة الاخفاء والابهام وفيه ارشاد نبوي بليغ، وليس تعييناً لموعد الساعة بالوحي، حتى يُظن بُعده عن الحقيقة، اذ الحكمة شئ يختلف عن العلة. وهكذا فالاحاديث الشريفة التي هي من هذا القبيل نابعة من حكمة الاخفاء والابهام. وبناء على هذه الحكمة نفسها، فقد انتظر الناس منذ زمن مديد، بل منذ زمن التابعين ظهور المهدي والدجال السفياني، على أمل اللحاق بهم، حتى قال قسم من الاولياء الصالحين بفوات وقتهم! فالحكمة في عدم تعيين اوقات ظهورهم هي الحكمة نفسها في عدم تعيين يوم القيامة. وتتلخص بما يأتي: ان كل وقت وكل عصر بحاجة الى (معنى) المهدي الذي يكون أساساً للقوة المعنوية، وخلاصاً من اليأس. فيلزم ان يكون لكل عصر نصيب من هذا المعنى. وكذلك يجب ان يكون الناس في كل عصر متيقظين وحذرين من شخصيات شريرة تكون على رأس النفاق وتقود تياراً عظيماً من الشر، وذلك لئلا يرتخي عنانُ النفس بالتسيّب وعدم المبالاة. فلو كانت اوقات ظهور المهدي والدجال وامثالهما من الاشخاص معينةً لضاعت مصلحة الارشاد والتوجيه. اما سر الاختلاف في الروايات الواردة في حقهما فهو: ان الذين فسروا تلك الاحاديث الشريفة قد ادمجوا استنباطاتهم واجتهاداتهم الشخصية مع متن الحديث. كتفسيرهم ان وقائع المهدي واحداث الدجال تقع حول الشام والبصرة والكوفة حسب تصورهم؛ اذ كانت تلك المدن تقع حول مركز الخلافة يومئذ في المدينة المنورة والشام. أو أنهم فسروا تلك الاحاديث بأن الآثار العظيمة التي تمثّل الشخصية المعنوية لاولئك الاشخاص أو تقوم بها جماعاتُهم، تصوّروها ناشئةً من شخصيتهم الذاتية الفردية، مما ادى الى ان يُفهم ان هؤلاء الاشخاص سيظهرون ظهوراً خارقاً للعادة، فيعرفهم جميع الناس، والحال - كما قلنا - ان الدنيا ميدان اختبار وامتحان، وان الله تعالى عندما يختبر الانسان لا يسلب منه الاختيار بل يفتح الباب امام عقله؛ لذا فهؤلاء الاشخاص - اي الدجال والمهدي - لا يُعرفون من قبل كثير من الناس عند ظهورهم، بل لا يَعرف ذلك الدجال الرهيب نفسه انه دجال بادئ الامر، وانما يعرفهم مَن ينظر اليهم بنور الايمان النافذ الى الاعماق. والدجال الذي هو من علامات الساعة قال عنه الرسول e أن يوماً من ايامه كسنة ويوماً كشهر ويوماً كجمعة وسائر أيامه كأيامكم(1). وان الدنيا تسمع صوته، ويسيح الارض في اربعين يوماً. فالذين لم ينصفوا قالوا: هذه الرواية ضرب من المحالات، وانكروها. حاشَ لله، بل ان حقيقتها - والعلم عند الله - هي الآتي: ان في الحديث الشريف اشارة الى ظهور شخص من جهة الشمال - الذي هو اكثف منطقة لعالم الكفر - يقود تياراً عظيماً يتمخض من المادية الجاحدة، ويدعو الى الالحاد وانكار الخالق. فمعنى الحديث فيه اشارة الى ظهور هذا الشخص من شمال العالم. وتتضمن هذه الاشارة رمزاً حكيماً وهو: ان الدائرة القريبة للقطب الشمالي تكون السنة فيها يوماً وليلة، حيث أن ستة أشهر منها ليل والستة الاخرى نهار. اي يوم الدجال هذا سنة واحدة كما ورد (يوم كسنة). فهذه اشارة الى ظهوره قريباً من تلك الدائرة. أما المراد بـ (يوم كشهر) فهو انه كلما تقدمنا من الشمال نحو مناطقنا يكون النهار احياناً شهراً كاملاً حيث لا تغرب الشمس شهراً في الصيف. وهذه اشارة ايضاً الى تجاوز الدجال الى عالم الحضارة بعد ظهوره في الشمال. وهذه الاشارة آتية من اسناد اليوم الى الدجال.. وهكذا كلما اقتربنا نزولاً من الشمال الى الجنـوب نرى الـشمــس لا تغرب اســبوعاً، الى ان يكون الفرق في الشروق والغروب ثلاث ساعات، اي كأيامنا الاعتيادية. وقد كنتُ في مكان كهذا عندما كنت اسيراً في روسيا، فكانت الشمس لا تغرب اسبوعاً في مكان قريب منا، حتى كان الناس يخرجون لمشاهدة المنظر الغريب للغروب. اما بلوغ صوت الدجال الى انحاء العالم، وانه يطوف الارض في اربعين يوماً، فقد حلّتهما اجهزة الراديو والمخابرة ووسائل النقل الحاضرة من قطارات وطائرات. فالذين انكروا هاتين الحالتين من الملحدين بالامس وعدّوهما من المحالات يرونهما اليوم من الامور العادية. أما يأجوج ومأجوج والسد اللذان هما من علامات الساعة، فقد كتبتُ عنهما بشئ من التفصيل في رسالة اخرى، احيل اليها، اما هنا فأقول: انه مثلما دمرت قبيلتا المانجور والمغول بالامس المجتمعات البشرية وكانوا السبب في بناء سد الصين، فهناك روايات تشير الى انه مع قرب قيام الساعة ستسقط الحضارة الجديدة ايضاً وتنهار تحت ضربات اقدام افكارهم الارهابية والفوضوية المرعبة. وهنا يتساءل عدد من الملاحدة: اين هذه الطائفة من البشر، والتي قامت وستقوم بمثل هذه الافعال؟ الجواب: كما ان الجراد آفة زراعية تكتسح منطقة معينة في موسم معين، ثم تختفي تبعاً لتبدل الموسم. فإن خواص تلك الاجناس التي ابادت تلك المنطقة مخبوءة في حنايا بعض افراد محدودين منها، فتظهر تلك الآفة نفسها - بأمر إلهي - في موسم معين، وبكثرة ساحقة، اي ان حقيقة اجناسها تنزوي ولا تضمحل، لتظهر من جديد في موسم معين. فكما ان الامر هكذا في الجراد، فان الاقوام الذين اشاعوا الفساد في العالم في وقت ما، سيظهرون عند موعد محدد لهم لإهلاك البشرية بأمر إلهي وبمشيئته سبحانه، فيدمرون الحضارة البشرية مرة اخرى، ولكن اثارتهم وتحريكهم سيكون بنمط آخر. ولا يعلم الغيب الا الله. C الاصل التاسع ان حصيلة قسم من المسائل الايمانية متوجهة الى امور تتعلق بهذا العالم الضيق المقيد، والقسم الآخر منها يرنو الى العالم الاخروى الواسع الطليق. وحيث ان قسماً من الاحاديث النبوية الواردة في فضائل الاعمال قد عبّر عنها الرسول الكريم e باسلوب بلاغى يناسب الترغيب والترهيب، فقد ظن مَن لا ينعم النظر ان تلك الاحاديث الشريفة تحمل مبالغة!. كلا، انها جميعاً لعين الحق ومحض الحقيقة وليست فيها مبالغة قط. مثال: ان الذي يخرش اذهان المتعسفين ويثيرها هو الحديث الآتي: (لو كانت الدنيا تعدِل عند الله جناح بعوضةٍ ما شَرب الكافرُ منها جُرعة ماء)(1). او كما قال. وحقيقته هي: ان كلمة (عند الله) تعبّر عن العالم الباقي، فالنور المنبثق من عالم البقاء، ولو بمقدار جناح بعوضة هو أوسع وأعم، لانه ابدي، من نور موقت ولو كان يملأ الارض. اي ان الحديث لا يعقد موازنة بين جناح البعوض والعالم الكبير، وانما الموازنة هي بين دنيا كل فرد - محصورة في عمره القصير - وبين النور الدائم المشع، ولو بمقدار جناح بعوضة من الفيض الإلهي واحسانه العميم. ثم ان الدنيا لها وجهان، بل ثلاثة اوجه: الاول: وجه كالمرآة تعكس تجليات الاسماء الحسنى. والثاني: وجه ينظر الى الآخرة، اي ان الدنيا مزرعة الآخرة. اما الثالث: فهو الوجه الذي ينظر الى العدم والفناء، فهذا الوجه الاخير هو الدنيا غير المرضية عند الله، وهي المعروفة بدنيا اهل الضلالة. اذن فالدنيا المذكورة في الحديث الشريف ليست بالدنيا العظيمة التي هي كمرايا للاسماء الحسنى ورسائل صمدانية، ولا هي بالدنيـا التي هـي مزرعـة للآخـرة، وانما هي الدنيا التي هي نقيض الآخرة ومنشأ جميع الخطايا والذنوب ومنبع كل البلايا والمصائب، هي دنيا عبدة الدنيا التي لا تعدِل ذرة واحدة من عالم الآخرة السرمدي الممنوح لعباد الله المؤمنين.فاين هذه الحقيقة الصادقة الصائبة من فهم اهل الالحاد الظالمين لما ظنوه مبالغة؟! ومثال آخر: هو ما ذهب الملحدون وتمادوا فيه بتعسفهم حين ظنوا أن ما ورد من الاحاديث الشريفة حول ثواب الاعمال وفضائل بعض السور في القرآن الكريم مبالغة غير معقولة، بل حتى قالوا انها محالة! فقد ورد - مثلاً - ان سـورة ((الفاتحة)) لها ثـواب الـقـرآن(1)، وسورة ((الاخـلاص)) تعدل ثلث الـقرآن(2)، وسورة ((الزلـزال)) ربـع القرآن(3)، وسورة ((الكافرون)) ربع القرآن(4) وسورة ((يس)) لها ثواب عشرة امثال القرآن(5). فالذين لا ينعمون النظر وليس لهم انصاف وتروٍّ يدّعون استحالة هذه الروايات! اذ يقولون: كيف تكون لسورة ((يس)) هذه الفضيلة وهي سورة من القرآن الكريم وهناك سور اخرى فاضلة؟! ان حقيقة هذه الروايات هي: ان لكل حرف من حروف القرآن الكريم ثواباً، وهو حسنة واحدة، ولكن بفضل الله وكرمه يتضاعف ثواب هذه الحروف ويثمر حيناً عشر حسنات، واحياناً سبعين، واخرى سبعمائة (كما في حروف آية الكرسي) ورابعة: الفاً وخمسمائة (كما في حروف سورة الاخلاص) وخامسة: عشرة آلاف حسنة (كقراءة الآيات في الاوقات الفاضلة وليلة النصف من شعبان) وسادسة: ثلاثين الفاً من الحسنات (كما في قراءة الآيات في ليلة القدر) فتتضاعف هذه الحسنات كما تتكاثر بذور الخشخاش. ويمكن فهم تضاعف الثواب الى ثلاثين الفاً من الآية الكريمة ] خير من الف شهر[ (القدر:3). وهكذا فلا يمكن مقايسة ولا موازنة القرآن الكريم مع وجود هذا التضاعف العددي التصاعدي للثواب المذكور، وانما يمكن ذلك مع اصل الثواب لبعض السور. ولنوضح ذلك بمثال: لنفرض ان مزرعة زرعت فيها الف حبة من الذرة، فلو انبتت بعض حباتها سبع سنابل (عرانيس) في كل سنبلة مائة حبة، فان حبة واحدة من الذرة تعدل عندئذ ثلثي ما في المزرعة. ولو فرضنا - مثلاً - ان حبة اخرى انبتت عشر سنابل (عرانيس) في كل سنبلة منها مائة حبة، فان حبة واحدة عند ذلك تساوي ضعف الحبوب المزروعة أصلاً.. وهكذا قس في ضوء هذا المثال. فالآن نتصور القرآن الكريم مزرعة سماوية نورانية مقدسة، كل حرف فيه مع ثوابه الاصلي بمثابة حبة واحدة - بغض النظر عن سنابلها - فاذا ما طبقتَ هذا على المثال السابق يمكنك معرفة فضائل السور التي وردت بحقها الاحاديث الشريفة، بمقارنتها بأصل حروف القرآن. مثال ذلك: ان حروف القرآن الكريم ثلاثمائة الف وستمائة وعشرون حرفاً، وحروف سورة الاخلاص مع البسملة تسع وستين حرفاً، فثلاثة اضعاف تسع وستون تساوي مائتين وسبعة حروف. اي ان حسنات كــل حـرف من حروف سورة الاخلاص تقارب ألفاً وخمـسمـائـة حسنة وكذلك اذا حـسبـــت حــروف سورة ((يس)) واخذت النسبة بينها وبين مجموع حروف القـرآن، واخذنا التضاعف الى عشرة امثالها بنظر الاعتــبار، نجـد ان لكـل حـرف فيها ما يقـارب من خمسـمائة حسنة. فاذا قست على هذا المنوال بقية ما ورد في فضائل السور في الاحاديث فستدرك مدى كونها حقيقة صائبة لطيفة، ومدى بُعدها عن كل ما يومئ الى المبالغة والاسراف في الكلام. C الاصل العاشر قد يظهر افراد من الناس لهم خوارق في الاعمال والافعال كما يحدث في اكثر طوائف المخلوقات. فان كان الفرد الفذ هذا قد سبق الآخرين وبزّهم في الخير والصلاح فسيكون مبعث فخر لبني جنسه ومدار اعتزازهم، والاّ فهو نذير شؤم وبلاء عليهم. فكل من هؤلاء الافذاذ ينبث كشخصية معنوية في كل مكان في المجتمع، ويحاول الآخرون تقليده في افعاله ويجدّون لبلوغ شأوه، وربما يبلغ واحد منهم مبلغه في هذا الفعل أو ذاك. فالقضية اذن من حيث المنطق هي قضية ((ممكنة)) لإمكان وجود ذلك الفرد الخارق في كل مكان وجوداً مخفياً ومطلقاً، اي أنه اصبح شخصاً كلياً بعمله هذا، أي من الممكن ان يولّد هذا النوع من العمل نتيجة كهذه. فانظر في ضوء هذا المثال الى احاديث نبوية شريفة وردت بهذه المعاني: مَن صلى ركعتين كذا فله أجر حجة(1) أي ثواب ركعتين في اوقات معينة يقابل حجة، هذه حقيقة ثابتة. فيجوز اذن ان تحمل كل ركعتين من الصلاة بالكلية هذا المعنى، ولكن الوقوع الفعلي لهذا النوع من الروايات ليس دائماً ولا كلياً، حيث أن للقبول شرائطه المعينة، لذا تنتفي من امثال هذه الروايات صفة الكلية والديمومة؛ فهي اما بالفعل موقتة مطلقة؛ او هي قضية ممكنة، كلية. والكلية في امثال هذه الاحاديث هي من حيث الامكان الاعتباري، كما هو في: الغيبة كالقتل، اي يكون الفرد بالغيبة سماً زعافاً قاتلاً. وكما هو في: الكلمة الطيبة صدقة كعتق رقبة. والحكمة في ايراد هذه الاحاديث بهذه الصيغة هي: ابراز امكانية وقوع هذه الصفة المعنوية الكاملة في كل مكان وفي صورتها المطلقة، لأنه أبلغ في الترغيب والترهيب واكثر حضاً للنفوس على الخير وأشد تجنيباً لها من الشر. ثم ان شؤون العالم الابدي لا توزن بمقاييس عالمنا الحاضر، اذ ان اضخم ما عندنا يمكن ان يكون اصغر شئ هناك ولا يوازيه، فثواب الاعمال نظراً لكونه يتطلع الى ذلك العالم الابدي فان نظرتنا الدنيوية الضيقة تغدو قاصرة دونه، فنعجز عن ان نستوعبه بعقولنا المحدودة. فمثلاً: هناك رواية تلفت انظار من لا يدققون النظر ولا ينصفون في احكامهم. هي: من قرأ هذا اعطي له مثل ثواب موسى، وهارون، أي: الحمد لله رب السموات ورب الارضين رب العالمين وله الكبرياء في السموات والارض وهو العزيز الحكيم. الحمد لله رب السموات ورب الارضين رب العالمين وله العظمة في السموات والارض وهو العزيز الحكيم، وله الملك ربّ السموات وهو العزيز الحكيم. فحقيقة هذه الاحاديث وامثالها التي تثير الاذهان هي: اننا لا ندرك مدى الثواب الذي يناله نبيان عظيمان هما موسى وهارون عليهما السلام الا حسب تصورنا ووفق اطار فكرنا الضيق وضمن حدود نظرنا القاصر الدنيوي، لذا فحقيقة الثواب الذي يناله عبد عاجز مطلق العجز بقراءته ذلك الورد، من رب رحيم واسع الرحمة، في حياة خالدة ابدية، يمكن ان يكون مماثلاً لذلك الثواب الذي تصورناه بعقولنا القاصرة للنبيين العظيمين، وذلك حسب دائرة علمنا وأفق تفكيرنا. مثلنا في هذا كمثل بدوي لم ير السلطان ولا يدرك عظمته وابهته، وفي نظره المحدود وفكره الضيق ان السلطان شخص كشيخ القرية او اكبر منه بقليل. حتى لقد كان حوالينا - في شرقي الاناضول - قرويون ســذج يقـولون: ان السلـطان يجلس قرب الموقد ويشرف على طبيخه بنفسه.. بمعـنى ان اقــصى ما يتصــوره البدوي لعظمة السلطان لا يرقى الى مستوى آمر فوج في الجيش.. فلو قيل لأحد هؤلاء: اذا أنجزتَ لي هذا العمل فسأكافئك برتبة السلطان - اي بمكانة آمر الفوج - فهذا القول حقيقة وصواب، حيث ان عظمة السلطان في ذهن السامع وفي فكره المحدود هي بمقدار عظمة آمر الفوج ليس الا. وهكذا فنحن لا نكاد نفهم حتى بمثل هذا البدوي الحقائق الواردة في ثواب الاعمال المتوجهة الى الآخرة، بعقولنا الضيقة وبافكارنا القاصرة وبنظرنا الدنيوي الكليل؛ اذ ان ما في الحديث الشريف ليس هو عقد لموازنة بين الثواب الحقيقي الذي يناله موسى وهارون عليهما السلام، والذي هو مجهول لدينا، وبين الثواب الذي يناله العبد الذاكر للورد؛ لأن قاعدة التشبيه هي قياس المجهول على المعلوم، أي ادراك حُكم المجهول من حُكم المعلوم. أي ان الموازنة هي بين ثوابهما ((المعلوم)) لدينا حسب تصورنا، والثواب الحقيقي للعبد الذاكر ((المجهول)) عندنا. ثم ان صورة الشمس المنعكسة من سطح البحر ومن قطرة ماء هي الصورة نفسها، والفرق في النوعية فقط، فكلاهما يعكسان صورة الشمس وضوءها، لذا فأن روح كل من موسى وهارون عليهما السلام التي هي مرآة صافية كالبحر تنعكس عليها من ماهية الثواب ما ينعكس على روح العبد الذاكر التي هي كقطرة ماء. فكلاهما ثواب واحد من حيث الماهية والكمية الا ان النوعية تختلف، اذ تتبع القابلية. ثم ان ترديد ذكر وتسبيح معين، أو تلاوة آية واحدة قد تفتح من ابواب الرحمة والسعادة ما لا تفتحه عبادة ستين سنة، اي ان هناك حالات تمنح فيها آية واحدة من الفوائد ما للقرآن الكريم كله. ثم ان الفيوضات الربانية المتجلية على الرسول الكريم e بتلاوته آية واحدة قد تكون مساوية لفيض إلهي كامل على نبي آخر؛ اذ هوe موضع تجلي الاسم الاعظم. فاذا قيل ان العبد الذاكر قد تعرض الى نفحة من ظل الاسم الاعظم بفضل وراثة النبوة ونال ثواباً بها بمقدار قابليته، بقدر الفيض الإلهي على نبي آخر، فليس في قوله خلاف للحقيقة قط. ثم ان الثواب والأجر من عالم النور الخالد الذي يمكن ان ينحصر عالم منه في ذرة واحدة، بمثل انحصار صـورة الســمـوات بنجـومـها في قطـعـة صغيرة من زجاج ورؤيتها فيها. وهكذا فقراءة آية واحدة أو ذكر معين بنيةٍ خالصة يمكن ان تولد شفافية في الروح - كالزجاج - تستطيع ان تستوعب ثواباً نورانياً كالسموات الواسعة. النتيجة: ايها الناظر الى كل شئ بعين النقد والتجريح ومن دون تدقيق، ويا ذا الايمان الواهي والفكر المملوء بالفلسفة المادية! أنصف قليلاً! أدم النظر في هذه الاصول العشرة، واياك ان تمدّ اصبع اعتراضك الى الاحاديث الشريفة وبدورها الى ما يخل بمرتبة عصمة النبوة للرسول الكريم e بحجة ما تراه في روايةٍ من خلاف قطعي للواقع ومنافاة للحقيقة. فهذه الاصول العشرة، وميادين تطبيقها تجعلك تتخلى عن الانكار وتكفّك عن الرفض اولاً. ثم تخاطبك: ان كان هناك تقصيرٌ حقيقي، فهذا راجع الينا - اي الى الاصول - وليس الى الحديث الشريف قطعاً. وان لم يكن ثمة تقصير حقيقي فهو يعود الى سوء فهمك انت! وحاصل الكلام: ان من يسترسل في الانكار والرفض، عليه ان يفنّد الاصول العشرة المذكورة والاّ لا يستطيع الانكار. فان كنت منصفاً حقاً فتأمل جيداً في هذه الاصول العشرة، ومن بعدها لا تنهض لإنكار حديث نبوي يراه عقلك مخالفاً للحقيقة، بل قل: ربما هناك تفسير له، أو تأويل، أو تعبير، ودع الاعتراض! C الاصل الحادي عشر كما ان في القرآن الكريم آيات متشابهات تحتاج الى تأويل أو تطلب التسليم المطلق، كذلك في الحديث الشريف مشكلات تحتاج احياناً الى تفسير وتعبير دقيقين. ويمكنك الاكتفاء بالامثلة المذكورة. نعم، ان اليقظ يستطيع ان يعبر عن رؤيا النائم، بينما النائم الذي يسمع مَن حوله من اليقظين قد يطبق كلامهم بشكلٍ ما في منامه فيعبّر عنه بما يلائمه في النوم. فيا ايها المنوّم بالغفلة والفلسفة المادية، ويا عديمَ الانصاف! ان الذي يقول الله تعالى في حقه ] ما زاغ البصرُ وما طغى[ (النجم:17) والذي يقول عن نفسه تنام عيناي ولا ينام قلبي(1) هو اليقظان الحقيقي، فلا تنكر ما يراه هو، بل عبّر عنه وجِد تعبيراً له في رؤياك، والتمس له تفسيراً، اذ لو لسعت بعوضة شخصاً نائماً، فان آثار ذلك تظهر عليه وكأنه قد جرح في الحرب، واذا ما استفسر عنه بعد صحوه، فسيقول: نعم كنت في حرب دامية والمدافع مصوبة نحوي! بينما اليقظون الذين حوله يأخذون اضطرابه هذا مأخذ الاستهزاء. فنظرُ الغفلة المنومة وفكر الفلسفة المادية لا يمكن ان يكونا قطعاً محكاً للحقائق النبوية. C الاصل الثاني عشر ان نظر النبوة والتوحيد والايمان يرى الحقائق في نور الالوهية والآخرة ووحدة الكون لأنه متوجه اليها. أما العلم التجريبي والفلسفة الحديثة فانه يرى الامور من زاوية الاسباب المادية الكثيرة والطبيعة لأنه متوجه اليها. فالمسافة اذن بين زاويتي النظر بعيدة جداً. فرب غاية عظيمة جليلة لدى اهل الفلسفة تافهة وصغيرة لا تكاد ترى بين مقاصد علماء اصول الدين وعلم الكلام. ولهذا فقد تقدم اهل العلم التجريبي كثيراً في معرفة خواص الموجودات وتفاصيلها واوصافها الدقيقة في حين تخلفوا كثيراً حتى عن ابسط المؤمنين وأقلهم علماً في مجال العلم الحقيقي وهو العلوم الإلهية السامية والمعارف الاخروية. فالذين لا يدركون هذا السر، يظنون ان علماء الاسلام متأخرون عن علماء الطبيعة والفلاسفة، والحال ان من انحدرت عقولهم الى عيونهم واصبحوا لا يفكرون الا بما يرون، وغرقوا في الكثرة من المخلوقات، أنّى لهم الجرأة ليلحقوا بورثة الانبياء عليهم السلام الذين بلغوا المقاصد الإلهية السامية وغاياتها الرفيعة العالية. ثم ان الرؤية ان كانت من زاويتين مختلفتين، فلاشك من ظهور حقيقتين متباينتين، وقد تكون كلتاهما حقيقة. وحتماً لا تتعارض حقيقة علمية قاطعة مع حقائق النصوص القرآنية المقدسة، اذ اليد القصيرة للعلم التجريبي قاصرة عن بلوغ اهداب طرفٍ من حقائق القرآن الرفيعة المنزهة. وسنورد مثالاً واحداً فقط على هذا: حقيقة الكرة الارضية في نظر أهل العلم هي: انها احدى السيارات ذات الحجم المتوسط، تدور حول الشمس، وهي جرم صغير قياساً للكواكب والنجوم التي لا تعد ولا تحصى. اما اذا نظرنا الى الكرة الارضية بنظر اهل القرآن، فحقيقتها هي كما وضحتها (الكلمة الخامسة عشرة): ان الانسان الذي هو ألطف ثمرة العالم، ومعجزة جامعة من معجزات القادر الحكيم، وأبدع المخلوقات واعزها وألطفها، مع انه أعجزها وأضعفها.. هذا الانسان يعيش على هذه الارض، فالارض اذن مهدٌ لهذا الانسان، فهي مع صغرها وحقارتها قياساً الى السموات عظيمة وجليلة من حيث المعنى والمغزى والابداع؛ حتى اصبحت بالمنظور القرآني: قلب الكون ومركزه من حيث المعنى.. ومعرض جميع المصنوعات المعجزة.. وموضع تجلي الاسماء الحسنى كلها، حتى لكانها البؤرة الجامعة لتلك الانوار.. ومحشر الافعال الربانية المطلقة ومرآتها.. وسوق واسع لإبراز الخلاقية الإلهية المطلقة، ولا سيما ايجادها الكثرة الهائلة من النباتات والحيوانات الدقيقة بكل جود وكرم.. ونموذج مصغر لمصنوعات عالم الآخرة الواسع الفسيح.. ومصنع يعمل بسرعة قصوى لانتاج منسوجات خالدة.. وموضع عرض لنماذج المناظر السرمدية المتبدلة بسرعة فائقة.. ومزرعة ضيقة مؤقتة لاستنبات بُذيرات تربّى بسرعة للبساتين الخالدة الرائعة. لهذا كله يجعل القرآن الكريم الارض صنواً للسموات، من حيث عظمتها معنىً واهميتها صنعةً.وكأنها ثمرة صغيرة لشجرة ضخمة، وكأنها قلب صغير لجسد ضخم. فيذكرها القرآن الكريم مقرونة بالسموات، فهي في كفة والسموات كلها في كفة، فتكرر الآية الكريمة: ] رب السموات والارض[ وهكذا فقس سائر المسائل على هذا المنوال، وافهم: ان الحقائق الميتة المنكفئة للفلسفة، لا يمكنها ان تتصادم مع حقائق القرآن الحية والمنورة. فكلتاهما حقيقة، الا ان الاختلاف هو في زاوية النظر، فتظهر الحقائق مـتباينة.
المكتوب الثامن والعشرون المسألة الثانية وهي الرسالة الثانية كتبت هذه المسألة لأجل حل الإشكال ورفع المناقشة الدائرة حول حديث شريف يذكر فيه ان سيدنا موسى عليه السلام قد لطم عين سيدنا عزرائيل عليه السلام(1). طرق سمعي ان مناقشة علمية جرت في ((اكريدير))(2) ان اجراء تلك المناقشة خطأ، ولاسيما في هذا الوقت بالذات. وقد سئلت انا ايضاً - ولا علم لي بالمناقشة - وأروني حديثاً نبوياً شريفاً(3) في كتاب موثوق يعتمد عليه، قد أشير فيه الى الحديث برمز (ق) للدلالة على أنه ((متفق عليه)).. واستفسروا: أهذا حديث نبوي أم لا؟. قلت لهم: نعم! انه حديث نبوي شريف، ينبغي لكم الاعتماد والوثوق بالذي حكم باتفاق الشيخين على الحديث المذكور، في مثل هذا الكتاب الموثوق.. ولكن كما ان في القرآن الكريم آيات متشابهات، ففي الحديث الشريف ايضاً متشابهات، لا يدرك معانيها الدقيقة الاّ خواص العلماء. وقلت ايضاً: ربما يدخل ظاهر هذا الحديث الشريف ضمن قسم المتشابهات من مشكلات الحديث. فلو كنت على علم بالمناقشة التي جرت حول الحديث المذكور، لما كنت اقتصر جوابي على ما قلت، بل كنت اجيب بما يأتي: اولاًــ أن الشرط الأول في مناقشة هذه المسائل وامثالها هو: أن تكون المذاكرة في جو من الانصاف.. وان تجري بنية الوصول الى الحق.. وبصورة لا تتسم بالعناد.. وبين من هم أهل للمناقشة.. دون أن تكون وسيلة لسوء الفهم وسوء التلقي. فضمن هذه الشروط قد تكون مناقشة هذه المسألة وما شابهها جائزة. أما الدليل على ان المناقشة هي في سبيل الوصول الى الحق فهو: ان لا يحمل المناقش شيئاً في قلبه.. ولا يتألم ولا ينفعل اذا ما ظهر الحق على لسان الطرف المخالف له، بل عليه الرضى والاطمئنان، اذ قد تعلّم ما كان يجهله، فلو ظهر الحق على لسانه لما ازداد علماً وربما اصابه غرور. ثانياً - ان كان موضوع المناقشة حديثاً شريفاً فينبغي معرفة: مراتب الحديث.. والاحاطة بدرجات الوحي الضمني.. واقسام الكلام النبوي. ولا يجوز لأحد مناقشة مشكلات الحديث بين العوام من الناس.. ولا الدفاع عن رأيه اظهاراً للتفوق على الآخرين... ولا البحث عن ادلة ترجّح رأيه وتنمّي غروره على الحق والانصاف. ولكن لما كانت المسألة قد طُرحت، واصبحت مدار نقاش، فستؤدى تأثيرها السئ في افهام العوام الذين يعجزون عن استيعاب امثال هذه الاحاديث المتشابهة. اذ لو انكرها أحدهم فقد فتح لنفسه باباً للهلاك والخسران، حيث يسوقه هذا الانكار الى انكار احاديث صحيحة ثابتة. ولو قَبِل بما يفيد ظاهر الحديث من معنى، وتحدّث به ونشره بين الناس، فسيكون سبباً لفتح باب اعتراضات اهل الضلالة على الحديث الشريف، واطلاق ألسنتهم بالسوء عليه، وقولهم: انه خرافة!. ولما كانت الانظار قد لفتت الى هذا الحديث الشريف المتشابه دون مبرر، بل بما فيه ضرر. وان هناك احاديث اخرى متشابهة له بكثرة؛ يلزم بيان ((حقيقة)) دفعاً للشبهات وازالة للاوهام.. اقول: ان ذكر هذه ((الحقيقة)) ضروري بغض النظر عن ثبوت الحديث. سنشير الى تلك الحقيقة اشارة مجملة، مكتفين بما ذكرناه من تفاصيل في رسائل النور (منها الغصن الثالث من الكلمة الرابعة والعشرين والغصن الرابع منها، والاساس الخاص بأقسام الوحي في مقدمة المكتوب التاسع عشر). والحقيقة هي: ان الملائكة لا ينحصرون في صورة معينة واحدة كالانسان، وانما هم في حكم الكلي، رغم ان لهم تشخصاتهم. فعزرائيل عليه السلام هو ناظر الملائكة الموكلين بقبض الارواح ورئيسهم. سؤال: هل عزرائيل عليه السلام هو الذي يقبض الارواح بالذات، أم أن أعوانه هم الذين يقبضونها. الجواب: هناك ثلاثة مسالك بهذا الخصوص: المسلك الأول: ان عزرائيل عليه السلام هو الذي يقبض روح كل فرد. فلا يمنع فعل هنا فعلاً هناك؛ لأنه نوراني، والشئ النوراني يمكنه ان يحضر ويتمثل بالذات في اماكن غير محدودة، بوساطة مرايا غير محدودة. فتمثلات النوراني تملك خواصه. وتعتبر عينه وليست غيره. فتمثلات الشمس في المرايا المختلفة مثلما تُظهر ضوء الشمس وحرارتها، فان تمثلات الروحانيين - كالملائكة - تُظهر ايضاً خواصها في المرايا المختلفة في عالم المثال، فهي عين اولئك الروحانيين وليست غيرهم. فالملائكة يتمثلون في المرايا حسب قابليات المرايا، فمثلاً: عندما كان جبرائيل عليه السلام يتمثل امام الرسول e في مجلس الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في صورة الصحابي ((دحية الكلبي)) كان يتمثل في اللحظة نفسها في الوف الاماكن في صور مختلفة، كما يسجد تحت العرش الاعظم مطبقاً الآفاق باجنحته الواسعة المهيبة شرقاً وغرباً، فله اذاً تمثل في كل مكان حسب قابلية ذلك المكان، وله حضور في آن واحد في الوف الأماكن. وهكذا، فحسب هذا المسلك: ليس محالاً قط، ولا هو بأمر فوق المعتاد، ولا هو أمر غير معقول، ان يتعرض مثال ملك الموت المتمثل للانسان عند قبض روحه - وهو مثال جزئي انساني - الى لطمة سيدنا موسى عليه السلام وهو الشخصية العظيمة المهيبة من اولي العزم من الرسل، ثم فقؤه لعين تلك الصورة المثالية لملك الموت، الذي لبس زي تلك الصورة. المسلك الثاني هو: ان الملائكة العظام من أمثال سيدنا جبرائيل وميكائيل وعزرائيل عليهم السلام، كل منهم بمثابة ناظر عام ورئيس، لهم أعوان من نوعهم وممن يشبهونهم، ولكن بطراز اصغر، فهؤلاء المعاونون الصغار مختلفون حسب اختلاف المخلوقات الموكلين بهم. فالذين يقبضون ارواح الصالحين(1) يختلفون عن الذين يقبضون ارواح الطالحين، فهم طوائف مختلفة من الملائكة بمثل ما تشير اليه الآيات الكريمة:} والنازعات غرقا^ والناشطات نشطاً..{ فحسب هذا المسلك : فان سيدنا موسى عليه السلام، لم يلطم سيدنا عزرائيل عليه السلام، بل لطم الجسد المثالي لأحد أعوانه، وذلك بعنفوان النبوة الجليلة وبسطة جسمه وجلادة خلقه وحظوته عند ربه القدير. وهكذا يصبح الامر معقولاً جداً(2). المسلك الثالث: لقد بينّا في الاساس الرابع من الكلمة التاسعة والعشرين، وحسب دلالات احاديث نبوية شريفة: بان هناك من الملائكة من يملكون اربعين الف رأس، وفي كل رأس اربعون ألف لسان - اي لهم ثمانون الف عين ايضاً - وكل لسان يسبح باربعين ألف تسبيحة. فما دام الملائكة الموكلون موكلين حسب انواع عالم الشهادة، وهم يمثلون تسبيحات تلك الانواع في عالم الارواح، فلابد ان يكون لهم تلك الصورة والهيأة. لأن الارض - مثلاًـ وهي مخلوقة واحدة، تسبح لله. وهي تملك اربعين الف نوع من الانواع، بل مئات الالوف منها، والتي كل منها بحكم رؤوس مسبحة لها، ولكل نوع من الانواع الوف من الافراد التي هي بمثابة الألسنة.. وهكذا. فالملك الموكل على الكرة الارضية ينبغي ان يكون له اربعون الف رأس، بل مئات الألوف من الرؤوس، ولابد ان يكون لكل رأس مئات الالوف من الألسنة.. وهكذا. فبناء على هذا المسلك: فان عزرائيل عليه السلام له وجه متوجه الى كل فرد، وعين ناظرة الى كل فرد، لذا فلطمُ سيدنا موسى عليه السلام ليس هو لطمة على الماهية الشخصية لسيدنا عزرائيل - حاشاه - ولا على شكله الحقيقي، وليس فيه اهانة، ولا رد له، بل تصرفه هذا نابع من كونه راغباً في زيادة دوام مهمة الرسالة واستمرار بقائها، ولأجل هذا لطم - وله ان يلطم - تلك العين التي تراقب أجله، والتي تريد ان تنهي وظيفته على الارض. والله اعلم بالصواب ولا يعلم الغيب الاّ هو. قل انما العلم عند الله. } هو الذي أنَزل عليك الكتاب مِنهُ آياتٌ محكمات هنّ أم الكتاب واُخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلاّ الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌّ من عند ربّنا وما يذّكرُ إلا اولوا الالباب{ (آل عمران: 7). محاكمات
المقدمة الحادية عشرة
قد يتضمن الكلام الواحد احكاماً عدة، فربما يحوي الصدف الواحد كثيراً من الدرر. والمقرر لدى ارباب العقول: ان القضية الواحدة تتضمن قضايا عدة؛ كل يثمر ثمراً مبايناً للآخر، كما نبع ونشأ من أصل مختلف.. فالعاجز عن التمييز يجانب الحق ويغترب عنه. مثال ذلك: ورد في الحديث الشريف: (بعثتُ انا والساعة كهاتين) 1. اي: لانبي بعدي الى قيام الساعة.. فالمقصود - أياً كان - من الحديث فهو حق. فهذا الحديث الشريف يتضمن ثلاث قضايا: اولاها: ان هذا الكلام هو كلام النبي صلى الله عليه وسلم.. هذه القضية هي نتيجة التواتر ان كان. "اي : ان كان الحديث متواتراً". ثانيتها: ان المعنى المراد من هذا الكلام حق وصدق.. هذه القضية هي نتيجة للبرهان المستند الى معجزاته صلى الله عليه وسلم "اذ لايصدر عنه غير الصدق". فينبغى الاتفاق في هاتين القضيتين، لانه من ينكر الاولى فهو كاذب مكابر. اما الذي ينكر الثانية فهو ضال قد هوى في الظلمات. القضية الثالثة: ان المراد من هذا الكلام هو هذا "أي الذي اسوقه".. فها هو الدر الموجود في هذا الصدف. هذه القضية هي نتيجة الاجتهاد، لا التشهي؛ اذ من المعلوم ان المجتهد ليس مكلفاً بتقليد غيره من المجتهدين. هذه القضية الثالثة هي منبع الاختلافات. واصدق شاهد على ذلك هو مانراه من الاقوال المتضاربة "في مسألة واحدة". _____________________ 1 حديث صحيح اخرجه البخاري 6505 من حديث ابي هريرة رضي الله عنه. وهو حديث متواتر. انظر النظم المتناثر في الحديث المتواتر ص 143 برقم 187.
صيقل الإسلام/محاكمات - ص: 62 فالذي ينكر هذه القضية لا يكون مكابراً ولا ضالاً، ولا ينساق الى الكفر، ان كان انكاره نابعاً من الاجتهاد؛ اذ العام لا ينتفي بانتفاء الخاص، وكم من قطعي المتن ظني الدلالة.. فلا بد من الدخول الى البيوت من ابوابها، فان لكلٍ باباً، ولكل قفل مفتاحاً. خاتمة: هذه القضايا الثلاث تجري في الآية جريانها في الحديث الشريف حيث انها قضايا عامة. الا ان الاولى منها فيها فرق دقيق. وهكذا يتضمن الكلام احكاماً كثيرة، الا انها احكام خاصة، كل منها يختلف عن الاخر في الاصل مثلما يثمر ثمرة مباينة للآخر. تنبيه: قد يجد من يريد ان يغالط في مثل هذه المقامات ذرائع تافهة وحججاً واهية ناجمة من حب النفس: كالتزام الطرف المخالف.. والتعصب الذميم.. وحب الظهور.. والشعور بالانحياز الى جهة.. وتسويغ الاوهام والخيالات باسنادها الى اصل.. ورؤية الامور الواهية قوية، لموافقتها رغباته الشخصية. واظهار كماله بتنقيص الآخرين والتهوين من شأنهم.. وابراز كونه صادقاً بتكذيب الآخرين.. وبيان استقامته باضلالهم.. وغيرها من الامور السافلة المنحطة! والى الله المشتكى.
اللـمعة الرابعة عشرة
الـمقام الاول جواب عن سؤالين باسـمه سبـحانه } وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلاّ يُسَبـح بـحـمدِهِ{ (الاسراء:44) السلام عليكم ورحـمة الله وبركاته، اخي العزيز الصادق الوفي السيد رأفت! ان ما سألتـموه من سؤال حول ((الثور والـحوت)) قد ورد جوابه في بعض الرسائل. وقد بينت في ((الغضن الثالث من الكلـمة الرابعة والعشرين)) اثنتا عشرة قاعدة مهمة ضمن اثني عشر أصلا حول هذا النوع من الاسئلة، تلك القواعد تـمثل اسساً مهمة لدفع الشبهات والاوهام الواردة على الاحاديث الشريفة، فكل قاعدة منها مـحكَ جيد لبيان التأويلات الـمـختلفة حول الاحاديث النبوية. اخي! انني لا انشغل الا بالسوانـح القلبية، فهناك حالات طارئة في الوقت الـحاضر تـحول – مع الاسف – دون اشتغالي بالـمسائل العلـمية؛ لذلك لا استطيع الاجابة عن سؤالكم بـجواب شاف، وإن وفق الله وفتـح علينا سوانـح قلبية اضطر الى الانشغال بها. وربـما يـجاب عن أسئلة لتوافقها مع السوانـح، فلا تتضايقوا، اذ لا استطيع الاجابة عن كلّ من اسئلتكم اجابة وافية. فلأجب هذه الـمرة عن سؤالكم. تذكرون يا اخي في سؤالكم: ان علـماء الدين يقولون: الارض تقوم على الـحوت والثور، علـماً ان الـجغرافية تراها كوكباً معلقاً يدور في السـماء كأي كوكب آخر، فلا ثور ولا حوت!. الـجواب: هناك رواية صحيـحة تُسند الى ابن عباس رضي الله عنهما، تقول: سُئل الرسول e : على أي شيء تقوم الارض؟. أجاب: على الثور والـحوت. وفي رواية اخرى، قال مرة: على الثور ومرة: على الـحوت. ولكن عدداً من الـمـحدثين طبقوا هذه الرواية على حكايات خرافية وقديـمة وردت عن الاسرائيليات، ولا سيـما من علـماء بني اسرائيل الذين اسلـموا فهؤلاء غيروا معنى الـحديث وحولوه الى معنى عجيب غريب جدا، حيث طبقوا الـحديث على ما شاهدوه من حكايات حول الثور والـحوت في الكتب السابقة. ونـحن هنا نشير باختصار شديد الى ((ثلاثة اسس)) و ((ثلاثة وجوه)) لدى الاجابة عن سؤالكم: الاساس الاول: لقد حـمل قسـم من علـماء بني اسرائيل بعد إسلامهم معلوماتهم السابقة معهم الى الاسلام، فاصبـحت ملك الإسلام أي ضمن الـمعارف الإسلامية. علـماً أن معلوماتهم السابقة تـحوي اخطاء. فتلك الاخطاء بلاشك تعود اليهم لا الى الإسلام. الاساس الثاني: ان التشبيهات والتـمثيلات كلـما انتقلت من الـخواص الى العوام، أي كلـما سرت من يد العلـم الى يد الـجهل عُدّت حقائق ملـموسة بـمرور الزمن، أي كأنها حقائق واقعة وليست تشبيهات. فمثلا: حينـما كنت صبياً خسف القمر، فسألت والدتي: ما هذا الذي حدث للقمر؟. قالت: ابتلعه الـحية!. قلت: ولكنه يتبين! قالت: ان الـحيات في السـماء شفافة كالزجاج تشف عما في بطنها. كنت اتذكر هذه الـحادثة كثيراً واسائل نفسي: كيف تدور خرافة بعيدة عن الـحقيقة الى هذه الدرجة على لسان والدتي الـحصيفة الـجادة في كلامها؟. ولكن حينـما طالعت علـم الفلك رأيت ان الذين يقولون كما تقول والدتي، قد تلقوا التشبيه حقيقة واقعية؛ لان الفلكيين شبهوا القوسين الناشئين من تداخل دائرة الشمس، وهي منطقة البروج ومدار درجاتها، مع دائرة القمر وهي ميل القمر ومدار منازلـه، شبهوهما تشبيهاً لطيفاً بـحيتين ضخـمتين، وسـموهما تنينين، واطلقوا على احدى نقطتي تقاطع تلك الدائرتين ((الرأس)) والاخرى ((الذنب)). فحينـما يبلغ القمر الرأس والشمس الذنب تـحصل حيلولة الارض – كما يصطلـح عليها الفلكيون – أي: تقع الارض بينهما تـماماً، وعندها يـخسف القمر. أي كأن القمر يدخل في فم التنين، حسب التشبيه السابق. وهكذا عندما سرى هذا التشبيه العلـمي الراقي بـمرور الزمن الى كلام العوام غدا التشبيه تنيناً عظيـماً مـجسـماً يبتلع القمر!. وكذلك الـملَكان العظيـمان الـمسـميان بالثور والـحوت، قد اطلق عليهما هذان الاسـمان في تشبيه لطيف سام، وفي اشارة ذات مغزى. ولكن لـما انتقل التشبيه اللطيف، من لسان النبوة البليغ السامي الى لسان العوام، بـمرور الزمن، انقلب التشبيه الى حقيقة واقعة، فاتـخذ الـملكان صورة ثور ضخـم وحوت هائل. الاساس الثالث: كما ان القرآن الكريـم متشابهات، يرشد الـمسائل الدقيقة العميقة للعوام بالتشبيه والتـمثيل، كذلك للـحديث الشريف متشابهات يعبـّر عن الـحقائق الواسعة بتشبيهات مأنوسة لدى العوام. مثال ذلك ما ذكرناه في رسائل اخرى. أنه عندما سـمع دوي في مـجلس الرسول e قال: هذا حجر يتدحرج منذ سبعين سنة في جهنـم فالآن حين وصل الى قعرها. وبعد مضي دقائق جاء أحدهم وقال: ان الـمنافق الفلاني الـمعلوم الذي يبلغ سبعون سنة من العمر قد مات. فأعلن عن الـحقيقة الواقعة للتشبيه البليغ الذي ذكره الرسول e . أما عن سؤالك يا أخي فسنذكر لـه ثلاثة وجوه: الوجه الاول: ان الله سبـحانه قد عين اربعاً من الـملائكة العظام في العرش والسـموات للاشراف على سلطنة ربوبيته. اسـم واحد منهم ((النسر)) واسـم آخر ((الثور))(1). أما الارض التي هي شقيقة صغيرة للسـموات ورفيقة أمينة للسيارات فقد عُين لـها ملكان مشرفان يـحـملانها، يطلق على احدهما: ((الثور)) وعلى الآخر ((الـحوت)). والـحكمة في تسـميتهما بهذين الاسـمين هي ان الارض قسـمان: البر والبـحر أي اليابسة والـماء، فالذي يعمر البـحر او الـماء هو الـحوت او السـمك، أما الذي يعمر البر والتراب فهو الثور، حيث أن مدار حياة الانسان هو الزراعة الـمـحـمولة على كاهل الثور. فالـملكان الـموكلان بالارض اذن هما قائدان لـها ومشرفان عليها، لذا لـهما تعلق وارتباط ومناسبة – من جهة – مع طائفة الـحوت ونوع الثور. ولربـما – والعلـم عند الله – يتـمثلان في عالـم الـملكوت وفي عالـم الـمثال على صورة الـحوت والثور(2). فاشارة الى هذه الـمناسبة والعلاقة، وايـماءاً الى ذينك النوعين من مـخلوقات الارض، قال الذي اوتي جوامع الكلـم e : ((الارض على ثور والـحوت)) فأفاد بـجـملة واحدة وجيزة بليغة عن حقيقة عظيـمة عميقة قد لا يعبر عنها في صحيفة كاملة. الوجه الثاني: لو قيل: بـم تقوم هذه الدولة؟ فالـجواب: على السيف والقلـم: أي تستند الى قوة سيف الـجيش وشجاعته واقدامه وعلى دراية قلـم الـموظفين وعدالتهم. وحيث أن الارض مسكن الأحياء، وسيد الاحياء الانسان، والقسـم الاعظم من الناس يقطنون السواحل ومعيشتهم على السـمك، والباقون تدور معيشتهم على الزراعة التي هي على عاتق الثور ومـحور تـجارتهم على السـمك. فمثلـما يـمكن القول: أن الدولة تقوم على السيف والقلـم يـمكن كذلك القول: ان الارض تقوم على الثور والـحوت؛ لأنه متى ما احجـم الثور عن العمل ولـم يلق السـمك ملايين البيوض دفعة واحدة، فلا عيش للانسان وتنهار الـحياة، ويدمر الـخالق الـحكيـم سبـحانه الارض. وهكذا اجاب الرسول الكريـم e عن السؤال بـحكمة سامية وببلاغة معجزة وبكلـمتين اثنتين مبيناً حقيقة واسعة تتعلق بـمدى ارتباط حياة الانسان بالـحيوان فقال: ((الارض على الثور والـحوت)). الوجه الثالث: ان الشمس في نظر علـماء الفلك القديـم تدور والارض ثابتة، وعبروا عن كل ثلاثين درجة من درجات الشمس بـ ((البرج)) فلو مدت خطوط افتراضية بين نـجوم تلك البروج لـحصل ما يشبه صورة الاسد احياناً، او صورة الـميزان، او صورة الثور، او صورة الـحوت، لذا بينوا تلك البروج بتلك الاسـماء. أما علـم الفلك الـحاضر فيرى أن الشمس لا تدور حول الارض، بل الارض تدور حولـها. أي يعطل العمل في تلك البروج، فلابد ان لتلك البروج العاطلة عن العمل والدوائر الـهائلة دوائر بـمقياس أصغر في مدار الارض السنوي، أي اصبـحت البروج السـماوية تتـمثل في مدار الارض السنوي، وعندئذ تدخل الارض كل شهر في ظل احد البروج وتكون ضمن انعكاسة، فكأن مدار الارض السنوى مرآة تتـمثل فيها صورة البروج السـماوية. وهكذا بناء على هذا الوجه – من الـمسألة – فقد قال الرسول الاعظم e كما ذكرنا سابقاً ((على الثور)) مرة و ((على الـحوت)) مرة اخرى. نعم انه حري بلسان ذلك النبي الكريـم الـمعجز ان يقول مرة: ((على الثور)) مشيراً به الى حقيقة عميقة لا تدرك الا بعد قرون عديدة. حيث أن الارض في تلك الفترة – أي فترة السؤال – كانت في الصورة الـمثالية لبرج الثور، بينـما عندما سئلe السؤال نفسه بعد شهر قال: ((على الـحوت)) لأن الارض كانت في ظل برج الـحوت. وهكذا اشار e بقولـه: ((على الثور والـحوت)) الى هذه الـحقيقة العظيـمة التي ستظهر في الـمستقبل وتتوضح.. وأشار به الى حركة الارض وسياحتها.. ورمز به الى أن البروج السـماوية الـحقيقية والعاملة هي التي في مدار الارض السنوي، والارض هي القائمة بالوظيفة والسياحة في تلك البروج، بينـما التي بالنسبة للشمس عاطلة دون اجرام سيارة فيها. والله اعلـم بالصواب. واما ما جاء من حكايات خارجة عن طور العقل في بعض الكتب الإسلامية حول الثور والـحوت. فاما انها من الاسرائيليات، أو هي تشبيهات وتـمثيلات، أو أنها تأويلات بعض الرواة، حسبها الذين لا يتـحرون الدقة أنها من الـحديث نفسه واسندوها الى كلام الرسول e . } رَبـَّناَ لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نـَّسِينَا أَوْ أَخطَأنَا { (البقرة:286) } سُبـحانَكَ لاعِلـم لنا إلاّ ما عَلـمتَنا إنك أنتَ العَليـم الـحكيـم{ (البقرة:32 )
|
![]()
|